الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
208
مناهل العرفان في علوم القرآن
وأما زعمهم انقطاع الصلة بين القسم المكي والمدني والتعارض بين أسلوبيهما ، فهو زعم ساقط مبنىّ على الاعتبارات الخاطئة الماضية التي أثبتنا بطلانها . ثم هو دعوى ماجنة ، يكذبها الواقع ، ويفنّدها الذوق البلاغىّ المنصف . وأدلّ دليل على ذلك ، أن أساطين البلاغة من أعداء الإسلام في مكة نفسها أيام نزول القرآن لم يستطيعوا أن يتّهموا أساليب التنزيل بمثل هذا الاتهام ولا كذبا ، لأنهم كانوا أعقل من ملاحدة اليوم ، يرون أن هذا الاتهام يكون كذبا مكشوفا وافتراء مفضوحا . بل هذا وحيدهم الوليد بن المغيرة يقول للملإ من قريش : « واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو وما يعلى » . ولما قالت قريش عندئذ : صبأ واللّه الوليد ، واحتالوا عليه أن يطعن في القرآن ، لم يجد حيلة إلا أن يقول : « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » . ولم يستطع أن يرمى القرآن بالتهافت والتخاذل ، وانقطاع الصلة بين أجزائه وانحطاط شئ من أساليبه ، على نحو ما يرجف أولئك الخرّاصون . « واللّه اعلم بما يبيّتون » . 4 - وإذا بطل هذا وما سبقه ، بطل ما زعموه من تأثّر القرآن بالوسط والبيئة ، وما رتّبوه عليه من أنه كلام محمد لا كلام رب العزة . ثم إنها اتهامات سخيفة لا تستحقّ الرّد ، ما دام إعجاز القرآن قائما ، يتحدّى كل جيل وقبيل ، ويفحم كل معارض ومكابر . ولمبحث إعجاز القرآن مجال آخر عسى أن يكون قريبا . ولولا أن الشبيبة الحاضرة من أنصاف المتعلمين وأشباههم ، ينخدعون بمثل هذه الترّهات ، ما أتعبنا أنفسنا في علاجها ولا أتعبناك ، فاصبر معنا على دفع هذا المصاب ، واللّه يتولّى هدانا وهداك .